الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
608
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
قال ابن أبي جمرة معناه : تنقل تلك البقعة بعينها في الجنة ، فتكون روضة من رياض الجنة ، ويحتمل أن يكون المراد : العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة ، قال : والأظهر الجمع بين الوجهين معا ، يعنى احتمال كونها تنقل إلى الجنة ، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة ، قال : ولكل وجه منهما دليل يعضده ويقويه من جهة النظر والقياس . أما الدليل على أن العمل فيها يوجب روضة في الجنة ، فلأنه إذا كانت الصلاة في مسجده - صلى اللّه عليه وسلم - بألف فيما سواه من المساجد ، فلهذه البقعة زيادة على باقي البقع كما كان للمسجد زيادة على غيره . وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة ، وكون المنبر أيضا على الحوض ، كما أخبر - صلى اللّه عليه وسلم - وأن الجذع في الجنة ، والجذع في البقعة نفسها ، فالعلة التي أوجبت للجذع الجنة هي في البقعة سواء ، على ما أذكره بعد - إن شاء اللّه تعالى - . والذي أخبر بهذا أخبر بهذا ، فينبغي الحمل على أكمل الوجوه ، وهو الجمع بينهما ، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن البقعة المباركة ، ما فائدة بركتها لنا ، والإخبار بها لنا إلا لتعميرها بالطاعات ، فإن الثواب فيها أكثر ، وكذلك الأيام المباركة أيضا ، فعلى هذا يكون الموضع روضة من رياض الجنة الآن ، ويعود روضة كما كان في موضعه ، ويكون للعامل فيه روضة في الجنة ، وهو الأظهر لوجهين : أحدهما : لعلو منزلته - صلى اللّه عليه وسلم - ، ولما خص الخليل - عليه السّلام - بالحجر من الجنة ، خص الحبيب - صلى اللّه عليه وسلم - بالروضة من الجنة . وهاهنا بحث : لم جعلت هذه البقعة من بين سائر البقع روضة من رياض الجنة ؟ فإن قلنا : تعبد ، فلا بحث ، وإن قلنا : لحكمة فحينئذ يحتاج إلى البحث . والأظهر أنه لحكمة ، وهي أنه قد سبق في العلم الرباني بما ظهر أن اللّه عز وجل فضله على جميع خلقه ، وأن كل ما كان منه بنسبة ما من جميع